الحرب الإسرائيلية على محور المقاومة والعين على الأردن

بقلم: محمود موسى مصطفى

المصدر: المركز السوري لبحوث الرأي العام

كثف العدو الصهيوني عدوانه في الآونة الأخيرة على عدة جبهات بدأت من فلسطين المحتلة ولبنان وسورية والعراق، واستهدفت طائراته الحربية أهدافاً عسكرية ومدنية دمرت مراكز وأبنية وخلّفت الكثير من القتلى والجرحى الأبرياء من المدنيين.

وجاءت الغارة الإسرائيلية الأولى يوم 12 تشرين الثاني من العام الجاري بمحاولة اغتيال نائب أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، أكرم العجوري، بحي المزة في العاصمة السورية دمشق، تلتها الغارة الثانية واستهدفت مواقع عند الحدود السورية-العراقية في 18 من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، والغارة الثالثة مهاجمة مطار دمشق الدولي في اليوم التالي، ثم الغارة الرابعة والهجوم الواسع بالصواريخ الموجهة على دمشق وريفها والقنيطرة لزعزعة الأمن والاستقرار.

وكما هو معتاد بعد كل غارة إسرائيلية تتركز الأضواء في المحطات التلفزيونية والفضائية بالحوار مع الضيوف حول الغارة وأهدافها، والسؤال الذي يطرح في كل مرة، عن كيفية الرد؟ وزمن الرد؟ وشكل الرد؟ وهذا الكلام يتكرر منذ عشرات السنين، ويجعل المواطن بحالة إحباط وخوف على حياته وحياة عائلته وأمن واستقرار بلده، فالإعلام يهتم بإبراز الخبر من ناحية التحليل الإعلامي، ولكن هناك أشياء لا يمكن البوح بها عسكرياً في وسائل الإعلام. ففي العلم العسكري، يكون لأي حدث أو أي تحرك عسكري مشبوه أو عدواني أو اعتداء على البلد، مفهومه ومخططاته وخلفياته وأبعاده السياسية والعسكرية، وهنا القيادة السياسية والعسكرية هي من تحلل الأمور بشكلها الصحيح وبعيداً عن الاندفاعات والعواطف الجياشة، وهي صاحبة القرار بالرد وشكل الرد وزمن الرد إن كان سياسياً أو عسكرياً، وليس بالضرورة أن يأتي الرد فوراً أو بالشكل الذي تسوق له الفضائيات، فهناك ردود على اعتداءات العدو وجرائمه بطرق مختلفة لا تظهر للعيان، ولا يعلن عنها على مستوى الساحة الإعلامية، وغالباً ما تكون بالخفاء وقيد الكتمان، وتؤدي المطلوب من الرد، وتعطي دروساً قاسية ومؤلمة للعدو.

إن السياسة الصهيونية المتغطرسة المتبعة منذ قبل الإعلان عن إنشاء الكيان الصهيوني عام 1948م في فلسطين المحتلة تعتبر من صلب بقائه وأمنه القومي، باعتباره جسم غريب زرع في قلب الأمة العربية والإسلامية، فهو معادي لها ومختلف عنها سياسياً واقتصادياً ودينياً وثقافياً....الخ.

فعندما وضع الصهيوني فلاديمير زئف جابوتنسكي (1880ـ1940م)، نظرية الأمن القومي الإسرائيلي على أساس مبدأ "الجدار الحديدي"، والتي كتبها سنة 1923م، "إذا أراد المرء أن يستوطن بلداً يقطنه شعب، فعليه أن يجد من ينفذ له هذا الأمر، فإذا لم تكن هناك قوة مسلحة تقضي على كل حركة تعارض الاستيطان أو تمنعه أو تعرضه للخطر، فسيكون الاستيطان غير ممكن، إن الصهيونية مشروع استعماري استيطاني يرتبط تقدمة وتراجعه بقوة سلاحه، صحيح أنه من المهم أن نتكلم العبرية، ولكن الأهم بكل أسف أن نتقن استخدام السلاح، وإلا فلا استيطان".

ويعتبر المجرم زئف جابوتنسكي أحد قيادي الجناح العسكري لعصابة "الأرغون" الإرهابية، وأحد أكبر رموز التطرف العنصري في تاريخ الحركة الصهيونية، والأب الروحي لأخطر زعماء حزب الليكود وفي مقدمتهم المجرم بنيامن نتنياهو وقبله أرئيل شارون ومناحيم بيغين، وهو صاحب مشروع ضم شرقي الأردن لإسرائيل.  

لذلك اعتمد الكيان الصهيوني إستراتيجيته العسكرية والأمنية في حماية نفسه على ثلاث مرتكزات: التخطيط للحرب وبناء القوة العسكرية والحفاظ على وجود الكيان الصهيوني، والقيام بالمباغتة بالمعركة ونقلها لأرض العدو وتقصير مدتها أثناء الحروب، وسرعة الرد والردع على أي تهديد لأمنه القومي، ويأتي الدعم بكل أشكاله السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية وغير ذلك من يهود العالم المؤيدين للكيان الصهيوني، إضافة للدعم غير المحدود من الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها العمود الفقري للأمن القومي الإسرائيلي وداعمة التفوق العسكري له في المنطقة.

حققت نظرية "الجدار الحديدي" أهدافها أثناء الحروب العربية-الإسرائيلية، واحتل العدو الصهيوني مساحات شاسعة على حساب دول الطوق، حتى فترة ما قبل حرب تشرين التحريرية، فبعد حرب عام 1973م بدأ الجدار الحديدي يتآكل ويتصدع وتقلصت مساحة الأراضي التي أحتلها الكيان الصهيوني، فتحررت القنيطرة في سورية، واستعادت مصر أراضيها المحتلة، وأصبح قطاع غزة ورام الله تحت سيطرة الفلسطينيين، وظهرت تنظيمات عربية إسلامية جديدة، تحمل فكراً سياسياً وأداءً عسكرياً متميزاً في فن الحرب وأسلوب المقاومة، فتم طرد العدو الصهيوني من لبنان، وفرضت المقاومة الفلسطينية واللبنانية استراتيجيات جديدة لردع العدو الصهيوني، وأصبحت المقاومة قادرة على إدارة الصراع العسكري مع العدو الصهيوني، ومن المعروف بأن ما تسمى " دولة إسرائيل" لا تتحمل المساس بأمنها القومي لفترة زمنية طويلة، لذلك تعمل على إحباط أي محاولة ضدها وبالسرعة القصوى مع تحقيق انتصار لها ولو كان سياسياً أو إعلامياً.

وحول الوضع الحالي للسياسية الداخلية في إسرائيل مازال الصراع قائماً حول تشكيل الحكومة، فرئيس حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية بنيامن نتنياهو أصبح غير مقبول في قيادة الحكومة بعد بيان حزب "أزرق وأبيض" يوم الجمعة في 22/11/2019م، والموجه لنتنياهو شخصياً "بموجب قرار المحكمة العليا لا يمكن لوزير متهم أن يستمر في منصبه، وبالتالي من الضروري أن تترك فوراً مناصبك الوزارية في الحكومة الإسرائيلية"، وجاءت هذه الاتهامات على خلفية تورط نتنياهو في قضايا الفساد المرفوعة ضده منها: الاحتيال والرشوة وخيانة الأمانة، وهذا ما دفع نتنياهو لافتعال أزمات وتصديرها إلى خارج البلاد، وأخذ قراره بشن غارات على سورية لاستثمارها سياسياً في بقائه بالسلطة، وقبلها بأيام قليلة اتخذ قراره باغتيال القائد العسكري بهاء أبو عطا في الجهاد الإسلامي، وشن حرباً على قطاع غزة، وإعلانه المشبوه بالاتفاق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مشروع ضم منطقة غور الأردن وكثيرٍ من المستوطنات في الضفة الغربية إلى إسرائيل في حال فوزه، وإثر ذلك اندلعت أزمة جديدة بين إسرائيل والأردن، وجاء رد فعل وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في تغريدة له نشرها على حسابه الرسمي في "تويتر" مساء الأربعاء 27/11/2019م "إن إعلان رئيس وزراء إسرائيل نيته العمل على ضم وادي الأردن المحتل هو إعلان قتل كل الجهود السلمية، لا سلام شامل دون زوال الاحتلال وتلبية حق الفلسطينيين في الحرية والدولة"، وهذا الإعلان قد يضع الأردن بالمواجهة السياسية والعسكرية مع إسرائيل والالتحاق بركب دول المقاومة، ومشروع ضم شرقي الأردن مشروع صهيوني قديم طرحه الصهيوني فلاديمير زئف جابوتنسكي، ويبدو أنه حان الوقت لتطبيقه الآن.

وبحسب محللين إسرائيليين ومع تصعيد الأزمة السياسية الداخلية في إسرائيل لم يعد أمام نتنياهو إلا الدخول في حالة حرب من أجل إلغاء فكرة الدخول في انتخابات ثالثة تطيح به من المشهد السياسي ما دفعه لاختلاق أزمات على أصعدة مختلفة، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه ما هي الجبهة التي سيقاتل بها نتنياهو في حال اتخذ قرار الحرب؟ وهل سينفرد بجبهة معينة دون أخرى؟ وخاصة بعد تعهده يوم الاثنين 2/12/2019م "نفعل ذلك بشكل حازم للغاية، شاهدتم العمليات التي نفذناها على مدار الأسابيع الأخيرة، أقول لكم أننا نمتلك باستمرار، بما في ذلك خلال الأيام الأخيرة، خططاً عملياتية مفاجئة ستكون أكثر مفاجأة مما شاهدتموه، ولن نقبل بهذا التقطر وسنعمل على وقفه" والمقصود هنا قطاع غزة، وربما هذا التصريح من ناحية المناورة والخدعة العسكرية، وقد يكون هناك هدف آخر والحرب على جبهة أخرى، فالحرب خدعة، كما ألغى نتنياهو زيارته التي كانت مقررة للعاصمة البريطانية لندن لأسباب أمنية، بعد تصريحه الأخير، وبحسب صحيفة يسرائيل هيوم، والتي انفردت بالخبر المغاير للمنشور على الصحف العبرية الأخرى.

وأخيراً وبهذه الظروف التي تهيمن بها الصهيونية العالمية على المنطقة العربية، يجب الرد لإنهاء وإزالة مشروع صهيوني قديم متجذر بأكمله تنفذ مخططاته على الخريطة الجغرافية والسياسية للوطن العربي، وتتوارثه أجيال الصهاينة من جيل إلى آخر، وهذا يتطلب من الدول المعنية إنشاء مراكز دراسات وأبحاث متخصصة بذلك، وترسيخ فكرة وثقافة المقاومة بالأجيال الصاعدة وتهيئة كل الظروف من أجل المعركة الكبرى كما فعلت القيادة السورية في بداية السبعينات وانتصرت على العدو الصهيوني، وكبح كل المحاولات لتشكيل أي تحالفات أو عمليات تطبيع إسرائيلي مع ما يسمى "الدول المعتدلة" دول الخليج العربي.

*