المعضلة التركية والغزو الأردوغاني

بقلم: محمود موسى مصطفى

المصدر: المركز السوري لبحوث الرأي العام

حصلت خروقات أمنية وحشود عسكرية تركية كثيرة على الحدود الشمالية لسورية وتعود أسبابها لمشاكل قديمة بين الجانبين منها سياسية وخروقات أمنية وعمليات تهريب وغير ذلك، وكانت تحل هذه المشاكل بين الدولتين الجارتين بالطرق السلمية.

ومع بداية الأزمة السورية في منتصف آذار 2011م لعبت تركيا دوراً محورياً في تمرير ودعم الخلايا الإرهابية في الأراضي السورية، وكانت تعول على تواجد قوات التحالف الدولي في المنطقة الشمالية الشرقية لقطع التواصل ما بين سورية والعراق وإيران ووصل هذا المشروع إلى طريق مسدود، وبعد إعلان دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية انسحاب قواته من قواعدها بالشمال السوري، أوعزت تركيا لقواتها بالتدخل عسكرياً تحت ما يسمى عملية "منبع السلام".

ولكن جاءت عملية "نبع السلام" العسكرية يوم الأربعاء 9/10/2019م مختلفة شكلاً ومضموناً من بداية تحرك القوات التركية وقبل اجتياح الجزيرة السورية، حيث أقامت القوات التركية نقاط ارتكاز وتحصينات عسكرية شبيهة إلى حد كبير بالخطط الهجومية والتحضيرات العسكرية الإسرائيلية في حروبها السابقة مع العرب.

وقبل بدأ العملية العسكرية "نبع السلام" سبقتها تصريحات سياسية مختلفة أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فالتصريح الأول له خلال خطابه الأخير على هامش أعمال الدورة الـ 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أواخر شهر أيلول الماضي عام 2019م، مهد الرئيس التركي أردوغان الأجواء السياسية الدولية لعملية عسكرية لاجتياح الشمال الشرقي السوري، تحت مسمى "المنطقة الآمنة" وبدعوى إرساء السلام فيها، وجاء التصريح الثاني له مختلفاً عن التصريح الأول، عندما قال علناً بأن العملية العسكرية هدفها محاربة الإرهاب وما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وحزب العمال الكردستاني التركي والقوات العاملة معه، وبعد بدء العملية العسكرية "نبع السلام" في تاريخها المحدد أعلاه، كتب الرئيس التركي أردوغان في تغريدة له على صفحات التواصل الاجتماعي تويتر موجهة للقوات المسلحة التركية في ساحة المعارك قال فيها: "أقبّل جباه كافة أفراد الجيش المحمدي الأبطال المشاركين في عملية "نبع السلام""، وهنا ثلاث تصريحات ومواقف مختلفة للرئيس التركي أردوغان تحمل في طياتها الكثير من المعاني والدهاء السياسي والغدر واستخدام الدين كذريعة للغزو والقتل والدمار يجب توخي الحذر منها، ومن أبعادها السياسية والعسكرية والإستراتيجية وانعكاساتها على سورية بشكل خاص وعلى الأمة العربية بشكل عام، ومن المعروف بأن تركيا وحزب العدالة والتنمية الحاكم حالياً ذات نظام سياسي علماني ذو توجه أخواني إرهابي، ومازالت الأطماع التوسعية والتتركة تعشعش في عقول وفكر زعمائها الحاليين.

تعاني تركيا من معضلة وأزمة سياسية قديمة في تعاملها مع أحزاب المعارضة التركية ومن هذه الأحزاب حزب العمال الكردستاني التركي، الذي ظهر على الساحة السياسية في السبعينات في جنوب شرق تركيا كحركة سياسية انفصالية ذات توجه ثوري اشتراكي ماركسي لإقامة دولة "كردستان" وتقرير مصير الأكراد الترك، وفي الثمانينيات بدء الصراع المسلح بين الحزب المذكور والدولة التركية، وبعد ملاحقة زعماء وعناصر حزب العمال الكردستاني التركي لجأ عناصره إلى العراق وإيران وسورية ودول الشتات، وأعاد الحزب الكردستاني تنظيم نفسه ونشاطه السياسي والعسكري بمجموعات صغيرة مسلحة لضرب أهداف ومصالح تركيا، مما أزعج حكومة أنقرة، وأعلنت الحرب على حزب العمال الكردستاني، واستهدفت غاراتها الجوية قواعده في الدول المجاورة لها، ومارست الدبلوماسية التركية ضغوطاتها السياسية على المجتمع الدولي، وتم حظر حزب العمال الكردستاني وصنف كمنظمة إرهابية في أكثر دول العالم ومن ضمنها سورية، وجميع الأحزاب الكردستانية المختلفة بالتسمية والمنتشرة في سورية والعراق وإيران وغيرها من الدول تتبع سياسياً منذ عام 2008م لحزب السلام والديمقراطية التركي.

وسبق وحدثت مشاكل حدودية كثيرة بين سورية وتركية بسبب تحركات حزب العمال الكردستاني المشبوهة وتنفيذه لعمليات إرهابية في العمق التركي، مما أثر على العلاقة وحسن الجوار بين البلدين سورية وتركيا، وارتقى البلدين في نهاية الأمر إلى توقيع اتفاقية أضنة في 20/10/1998م لحل مشكلة الحدود، ومن بادرة حسن النوايا سمحت سورية للجارة تركيا باتخاذ التدابير والواجبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاقية المذكورة، والتي تعطيها الحق باتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق /5/كم.

وعلى أثر ذلك غادر التركي عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المحظور إلى خارج الأراضي السورية بناء على رغبة الجارة تركيا، ومن المعروف عن الدبلوماسية السورية التزامها بالاتفاقيات الدولية وتطبيقها بمنتهى المصداقية وتشهد لها بذلك جميع المحافل الدولية.

استغل حزب العمال الكردستاني التركي حالة الأزمة السورية وتدخل التحالف الدولي عسكرياً فيها، وقام بمهمة القوات العسكرية البرية للتحالف الدولي لمحاربة ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وذلك مقابل الدعم المالي والتدريب والسلاح، ووسع الحزب الكردستاني نشاطه السياسي والعسكري بتجنيد الشباب الفقراء وحاجتهم للعمل مستغلاً الوضع الاقتصادي المزري في المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية من سورية، والفلتان الأمني وانشغال الدولة السورية بمحاربة الإرهاب والمرتزقة المسلحة، وانقلب الحزب الكردستاني على الدولة السورية وانفصل عنها جغرافياً وسياسياً بتعاونه مع التحالف الدولي، وأجهض عملية المصالحة الوطنية في الجزيرة السورية، واستهدف الشخصيات الوطنية وقمع وحاصر المواطنين السوريين، بل ذهب أبعد من ذلك عندما احتل منابع النفط السورية، وعقد صفقات مع العدو الإسرائيلي لتوريد النفط له، وسيطر على السلة الغذائية لسورية، وطرد واعتقل العاملين في المراكز الحكومة بعد سيطرته عليها، ليعود الحزب إلى حلمه في إقامة ما يسمى "الدولة الكردية" ما زاد قلق تركيا وهواجسها الأمنية على حدودها وعمقها الاستراتيجي.

وقد تجاوزت القوات التركية بعمليتها العسكرية "نبع السلام" الخطوط الحمراء لاتفاقية أضنة، وهذا الخلاف ليس في مصلحة البلدين لا سياسياً ولا أمنياً وله عواقب وخيمة فيما بعد، حيث تحولت ملاحقة الإرهابيين بالطرق الأمنية المعروفة سابقاً إلى قصف مدفعي وصاروخي وغارات جوية على المنطقة الشمالية الشرقية لسورية، واستهدفت الضربات التركية البنية التحتية للمراكز الحكومية ومراكز الخدمات مثل الكهرباء والماء والاتصالات، وتم تهجير مئات الآلاف من السوريين وجرت اعتقالات وتنفيذ أحكام الإعدام بمدنيين وعناصر من ميليشيات حزب العمال الكردستاني بدم بارد بعد أن وقعوا أسرى بيد عناصر الجيش التركي وما يسمى "الجيش الوطني السوري"، ووصل القصف التركي حتى عمق أكثر من 50 كم في الداخل السوري، وتقاتل القوات التركية على خمس محاور على جبهة طولها 480 كم للقضاء على ميليشيات حزب العمال الكردستاني التركي، ومازالت العمليات العسكرية الشرسة بين الكر والفر، وباعتقادي بأن الحرب ستكون حرب استنزاف طويلة الأمد قد تمتد لسنوات طويلة، وستفتح مستقبلاً جبهات جديدة من دول جوار تركيا حيث ينشط فيها الجناح العسكري لحرب العمال الكردستاني، وستكون لها انعكاساتها السياسية والأمنية والجغرافية على الداخل التركي، لذلك الحل بيد تركيا ويجب عليها حل الأزمات الداخلية لديها والتفاوض مع الأحزاب المعارضة التركية بعد خلافات امتدت لعشرات السنوات، ودفع ومازال المواطن السوري ودولته نتائجها الدموية والتدميرية.

وللحفاظ على دم السوريين وممتلكاتهم، وتحت رعاية روسية، توصلت الحكومة السورية لاتفاق مع ميليشيات ما يسمى قوات سورية الديمقراطية "قسد" التابعة لحزب العمال الكردستاني، حيث رضخت الأخيرة للأمر الواقع المرير الذي تعيشه حالياً بعد هروب عناصرها من جبهة القتال، واجتياح القوات التركية عشرات الكيلومترات في عمق الأراضي السورية، وهنا أجبرت "قسد" على فتح المعابر والحواجز التي تسيطر عليها أمام الجيش العربي السوري، وبدأت القوات السورية منذ يوم 13/10/2019م انتشارها على الحدود الشمالية لحلب والشمالية الشرقية في الجزيرة السورية لكبح أي تقدم للجيش التركي داخل الحدود السورية، وفي القريب العاجل ستعود المراكز الحكومية والخدمية للمنطقة الشمالية والشمالية الشرقية بناءً على توجهات الحكومة السورية، كما كانت عليه قبل الأزمة السورية، وأعلنت صباح يوم 14/10/2019م باريس بأنها ستنسحب من التحالف الدولي وتعيد قواتها إلى فرنسا، وجرى إعادة توضع للقوات الأمريكية وغادرت بعضها باتجاه العراق، ووضع البنتاغون خطة زمنية لسحب قواته من سورية في القريب العاجل، ويبقى الحذر قائم من تحركات القوات التركية التي مازالت تحتل بعض المناطق والقرى السورية من جراء العمليات العسكرية التي حدثت خلال الأيام القليلة الماضية، وهناك تصريحات من أعلى المستويات السياسية والعسكرية التركية تهدد بالمواجهة مع الجيش العربي السوري المناط له مهمة الانتشار على الحدود بين البلدين، وبرغم كل العزلة الدولية وحظر توريد السلاح لتركيا من دول أوروبة والاتحاد الأوروبي والإدانات العربية والعالمية، ومازالت الحرب الضروس الظالمة مستمرة على سورية بقيادة الرئيس التركي أردوغان وحلفائه تحت ذريعة إقامة المنطقة الآمنة للاجئين السوريين.

وأخيراً تبقى أفضل الحلول للمعضلة التركية والأزمة الحالية بين البلدين سورية وتركيا هي العودة إلى اتفاقية أضنة لعام 1998م المبرمة بين البلدين وتنفيذ بنودها الأمنية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى العمل على إعادة اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا إلى أماكن إقامتهم الطبيعية في سورية.