غاز شرقي البحر المتوسط بين الاتفاقيات والصراعات المستقبلية
(الجزء الثاني)

بقلم: محمود موسى مصطفى

المصدر: المركز السوري لبحوث الرأي العام

ثانياً: الصراع الدولي على الغاز في  شرقي البحر المتوسط:

تسيطر القوى العظمى على المياه الدولية في البحر المتوسط، وهذا ليس بجديد، فهي لها قواعد كثيرة منتشرة على سواحل دول حوض البحر المتوسط، وبعد اكتشاف حقول الغاز، وتزامن ذلك مع نشوب ما يسمى "الربيع العربي" في المنطقة، حيث كثفت الدول العظمى تواجدها العسكري في حوض البحر المتوسط لحماية مصالحها، وتكريس الهيمنة والغطرسة على مقدرات الدول الضعيفة، ووضع يدها على الكنز الثمين لمنابع الطاقة في البحر المتوسط، واستغلاله لمصالحهم الاقتصادية مستقبلاً، باعتبار المياه الدولية ليست ملكاً لأحد.

وهذه الهيمنة والأطماع بالحصول على كميات كبيرة من الطاقة قد تؤدي إلى اندلاع نزاعات مسلحة بين الدول العظمى فيما بينها، ومن وجهة نظر القانون الدولي، هناك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والموقعة في 10 تشرين الأول من عام 1982م، ودخلت قيد التنفيذ في 16 تشرين الثاني من عام 1994م، بعد أن صادقت عليها /60/ دولة، وتضمنت تقسيم البحار إلى أربع مناطق رئيسية وهي:

ـ المنطقة الأولى: البحر الإقليمي: ويحدد على بعد /12/ ميلاً بحرياً من خط الأساس وللدولة السيادة الكاملة عليها.

ـ المنطقة الثانية: المنطقة الاقتصادية الخالصة: وتحدد على بعد /200/ ميل بحري من خط الأساس.

ـ المنطقة الثالثة: وهي الجرف القاري.

ـ المنطقة الرابعة: أعالي البحار.

ونصت الاتفاقية على المبادئ العامة لاستثمار الموارد الطبيعية، سواء الحية منها أو غير الحية، الموجودة في المياه، أو في القاع، بما في ذلك الموارد الهيدروكربونية والنفطية، ولكن تبقى هذه الاتفاقية في إطارها العام، ولا تلزم الدول بها إلا بالاتفاق فيما بينها والالتزام بمضمونها.

ثالثاً: صراع شركات التنقيب الأجنبية على حقول الغاز في شرقي البحر المتوسط:

عملت أكثر الشركات العالمية للتنقيب عن الطاقة في البداية تحت عباءة الدول الراعية لها، وحققت هذه الشركات أرباحاً وثروات طائلة تضاهي ثروات الدول، فارتقت بنفسها إلى مستوى التنافس فيما بينها، ودخلت مجال المنافسة والصراع على مصادر الطاقة، وإبرام عقود منفردة مع الدول المالكة للغاز من جهة دون الرجوع والالتزام بقوانين وأنظمة دولهم المعمول بها، ومن جهة أخرى قد تمتلك هذه الشركات القدرة مستقبلاً على احتلال حقول الغاز في البحر، أو التفاوض مع الدول المالكة لحقول الغاز لاقتسام الثروة، واحتكار إنتاجها بنسب متفق عليها. 

ومن أهم هذه الشركات العالمية التي تعمل في هذا المجال:

ـ شركة (ENI) الإيطالية:

لها وجود في أكثر من 80 بلداً، من ضمنها دول أوروبا الشرقية، وأفريقيا، إضافة إلى إيران، وكازاخستان، والعراق، ودول حوض البحر المتوسط، ففي قبرص تستثمر بالبلوكات 2 و3 و9، من خلال ائتلاف مع شركة (NI-KOGAS) الكورية الجنوبية، بحيث تملك الأولى 80% من الحصص والثانية 20% ، واكتشفت الشركة الإيطالية حقل "ظُهُر" قبالة السواحل المصرية، وتعمل حالياً لبدء الإنتاج منه بعد الاتفاق مع الحكومة المصرية، وتعمل على التنقيب عن الغاز في لبنان، وتعتبر (ENI) من ضمن الشركات العشر الأولى في العالم، برأسمال قدره 90 مليار دولار، وتملك الحكومة الإيطالية 30% من أسهمها.

 

ـ شركة (Total) الفرنسية:

تعتبر واحدة من أكبر ست شركات نفطية عالمية، تأسست عام 1924م، وتنتشر في جميع أنحاء العالم. وتحقّق أرباحاً تفوق 130 مليار دولار سنوياً، وتستثمر (Total) في آسيا الوسطى، والمحيط الهادي، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، حيث تملك 30% من حصص التنقيب عن النفط في السعودية، و19% من أسهم إنتاج حقل "الحلفاية" العراقي، وتستثمر (Total) في حوض البحر المتوسط بعد أن حصلت امتياز البلوك 11 القبرصي، إضافة إلى توقيعها بروتوكول تعاون مع قبرص لإعداد دراسة جدوى حول مشروع بناء مصنع لإنتاج الغاز الطبيعي المسال.

ـ شركة (Nobel Energy) الأمريكية:

تأسست شركة (Nobel Energy) الأمريكية عام 1932، وتعمل في أمريكا الجنوبية، وأفريقيا، وأوراسيا، وبحر الشمال والصين، وفي منطقة البحر المتوسط، حيث يتوزّع نشاطها بين إسرائيل، ومصر، وقبرص، وحصلت على امتياز حقلي "ليفياتان" و"تامار" الإسرائيليين، ولديها عقود استيراد مع مصر لتصدير الغاز الإسرائيلي إليها من خلال أنبوب من حقل "تامار" إلى شواطئ مصر، وتستثمر شركة (Nobel Energy) في حقل "أفروديت" القبرصي بنسبة 70%، بائتلاف مع شركتي (Delek) للحفر و(Avner) للتنقيب، ومن المعروف بأن وزير الخارجية الأسبق جون كيري يمتلك أسهماً في شركة (Nobel Energy) الأمريكية.

 

وهناك أيضاً شركات عملاقة مثل:

شركة (ExxonMobil) الأمريكية، وشركة (British Petroleum) البريطانية، وشركة (Shell) الهولندية، وشركة (Delek) الإسرائيلية، وشركة (Gazprom) الروسية، وشركة روسنفت الروسية.

 

رابعاً: أهم حقول الغاز المكتشفة في شرقي المتوسط:

  1. حقل "غزة مارين": يقع على مسافة 36 كم من شواطئ قطاع غزة، حيث يُقدَّر إجمالي المخزون الاحتياطي للحقل بما يقارب تريليون قدم مكعبة من الغاز، تم اكتشافه عام 2000م من قبل شركة "بريتش غاز"، التابعة لشركة "بريتش بتروليوم".
  2. حقل "تمار": يقع على مسافة 80 كم من شواطئ شمالي إسرائيل (فلسطين المحتلة)، وعلى عمق 1650 متراً تحت سطح البحر، يقدر إجمالي الاحتياطي للحقل ما يقارب 10 تريليونات قدم مكعبة، تم اكتشافه عام 2009م.
  3. حقل "أفروديت": يقع على بُعد 180 كم من الشاطئ الجنوبي الغربي لقبرص، وبعمق 1700 متر تحت سطح البحر، ويقدَّر إجمالي المخزون الاحتياطي للحقل بما يقارب 9 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي تم اكتشافه عام 2009م.
  4. حقل "داليت": يقع على مسافة 60 كم غربي مدينة الخضيرة (شمالي إسرائيل)، بإجمالي احتياطي يبلغ ما بين 35 و50 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يجعله قليل الجدوى الاقتصادية، وتم اكتشافه عام 2009م.
  5. حقل "تانين": يقع مقابل شواطئ فلسطين المحتلة، وبلغت التقديرات الأولية لاحتياطي الغاز فيه 1.2 تريليون قدم مكعبة، وتم اكتشافه عام 2012م.
  6. حقل "لفياثان": يقع على مسافة 135 كم من شواطئ شمالي فلسطين المحتلة بالقرب من مدينة حيفا، وبلغ احتياطي الغاز فيه 17 تريليون قدم مكعبة، بعمق 1600 متر تحت سطح البحر، وتم اكتشافه عام 2012م.
  7. حقل نوح: يقع الحقل قبالة سواحل قطاع غزة، على عمق 779 متر، وتم إنتاج الغاز منه في شهر حزيران عام 2012م.
  8. حقل ماري: يقع قبالة سواحل قطاع غزة، جنوب شرق حقل نوح، تبلغ قدرته الإنتاجية الإجمالية حوالي 1.1 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي.
  9. حقل "ظهر": يقع على بعد 200 كم مقابل شواطئ مدينة بور سعيد المصرية، وتقدر كمية الاحتياطي فيه 30 تريليون متر مكعب من الغاز، وهو أكبر حقل غاز في البحر المتوسط، تم اكتشافه عام 2015م من قبل شركة "إيني" الإيطالية.
  10. المنحدر القاري السوري: يقع مقابل الشواطئ السورية، تقدر كمية الغاز فيه /700/ مليار متر مكعب، وذلك حسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكي.
  11. حقل سلامات1: يقع شمال دمياط البحرية المصرية بالبحر المتوسط، ويحتل المرتبة الثانية بعد حقل "ظهر"، تقدر احتياطاته الأولية من الغاز بـ/1/ تريليون متر مكعب غاز.
  12. حقل أتول: شمال دمياط البحري بمصر، وتقدر احتياطاته بـ/1.5/ تريليون قدم مكعب من الغاز.
  13. حقل نورس: يقع بدلتا النيل، وأعيد اكتشافه في عام 2015، وعودة الحقل إلى الحياة بعد توقفه عن الإنتاج، ومن ثم الوصول بمعدلات إنتاجه إلى نحو 1.2 مليار قدم مكعب غاز يومياً.
  14. حقل نيديوكو: يقع بمنطقة خليج السويس المصرية، يبلغ إنتاجه 300 مليون قدم مكعب غاز يومياً.
  15. حقل "البلوك رقم 9": تم اكتشافه في عام 2009، على يد شركة أمريكية، واكتشفت أيضاً كمية غاز ونفط هائلة بمنطقة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، تبلغ مساحتها 83 ألف كم مربع، وتقع قرب منطقة الحدود البحرية اللبنانية-الإسرائيلية، وتقدَّر حصة لبنان من الغاز الطبيعي، في البحر المتوسط بنحو 96 تريليون قدم مكعبة، وهي كمية يمكن أن تنهي الكثير من المشاكل المالية للبلاد.

 

وأخيراً:

من أجل الحفاظ على هذه الثروات الهائلة بالمتوسط والاستفادة منها، يتطلب الأمر من الدول العظمى تغيير سياستها تجاه المنطقة، والضغط على جميع دول شرقي البحر المتوسط لحل النزاعات فيما بينها، وعلى أن تتبنى مشروع سلام شامل وعادل يحفظ حقوق الجميع ويدعم الاستقرار والأمن والأمان لشعوبها، مما ينعكس إيجابياً على مصالحهم الاقتصادية وعلى رفاه وازدهار شعوبهم أيضاً، وهذا المشروع هو الحل الوحيد للتصدي لأخطر أنوع الحروب التي تعيشها المنطقة والعالم، ألا وهي الحرب على الإرهاب والتطرف وتجفيف منابع الإرهاب والإرهابيين، وخلق فرص عمل، مما ينعكس إيجابياً على الاقتصاد العالمي بشكل عام وعلى المنطقة العربية بشكل خاص، وذلك بالاستفادة من هذه الاحتياطات الهائلة من الغاز والطاقة. 

*