غاز شرقي البحر المتوسط بين الاتفاقيات والصراعات المستقبلية
(الجزء الأول)

بقلم: محمود موسى مصطفى

المصدر: المركز السوري لبحوث الرأي العام

بعد اكتشاف النفط في منطقة الشرق الأوسط مع بداية العشرينيات من القرن الماضي، سارعت القوى الاستعمارية للسيطرة على منابع النفط، ما أدى إلى اندلاع الصراعات فيما بينها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، واندلعت الحروب وأزهقت الأرواح وأريقت الدماء، وكان الخاسر الأكبر وما يزال صاحب الأرض.

وخلال السنوات العشر الماضية وبعد البحث ومسح جيولوجي من عدة شركات ومنها أمريكية وبمساعدة تركية، وسبقها مسوح جيولوجية خاصة بدول المنطقة لهذه الفترة واللاحقة بها، تم اكتشاف احتياطات هائلة من الغاز في قاع شرق البحر المتوسط على أعماق متفاوتة تقدر كميته بحوالي /122/ تريليون قدم مكعب.

ولا نعرف في المستقبل القريب هل هذا الكنز العظيم المكتشف سيكون فاتحة خير وازدهار اقتصادي ورفاه لشعوب دول شرقي البحر المتوسط مثل: سوريا، ولبنان، وفلسطين المحتلة، ومصر، وجزيرة قبرص بشقيها التركي واليوناني، في خضم تداخلات الحدود البحرية فيما بينهم والتي لم ترسم حتى يومنا هذا، والنزاعات السياسية والجغرافية التي أثقلت كاهل الدول المذكورة؟ أم أن المنطقة ستتحول إلى كتلة من اللهب وحروب إقليمية ودولية؟ أو سيكون السلام سيد الموقف؟ وبشكل عام مستقبل المنطقة لا يمكن قراءته في ظل سياسية التدخلات الدولية على شعوب شرقي المتوسط.

 

ـ أولاً: الصراع الإقليمي على الغاز في شرقي البحر المتوسط:

     بعد اكتشاف حقول الغاز في شرقي البحر المتوسط ظهرت نزاعات جديدة على طاولة الصراع بين الدول المعنية ومن أهم هذه النزاعات:

  1. النزاعات على الحدود البحرية:

تعتبر مسألة رسم الحدود البحرية بين دول شرقي البحر المتوسط من أهم النزعات المتوقعة بالمنطقة، لذلك يتطلب من الدول المعنية عقد اتفاقيات في هذا الخصوص وتثبيت نقاط الحدود بشكل يحفظ حقوق كل دولة على حدى، وتحميل الإحداثيات على خارطة جديدة ثابتة المعالم يصادق عليها وتسلم إلى الأمم المتحدة، وتخضع للقانون الدولي المختص في حل النزاعات الحدودية البحرية، وهذا الأمر حالياً من الصعب تحقيقه بسبب ما تعيشه بعض دول المنطقة من صراعات ونزاعات داخلية وحدودية مع بعضها البعض، مع العلم بأن هناك خرائط موجودة سابقاً في مقر الأمم المتحدة، إلا أن بعض الدول لا تعترف بها.

لقد عقدت مجموعة اتفاقيات بين دول المنطقة ولكن لم تطبق بنودها بالشكل المطلوب وكانت مختصرة على اتفاق بين دولتين، وهذه الاتفاقيات:

ـ اتفاقية  ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2004، حيث حددت المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بالدولتين وفقاً لقاعدة خط المنتصف.

ـ اتفاقية ترسيم الحدود البحرية اللبنانية القبرصية، حيث وقعت الحكومة اللبنانية والقبرصية في عام 2007 اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وتم الترسيم وفقاً لنقطتين مؤقتتين هما 1 جنوباً، والنقطة 6 شمالاً، حيث ألزمت الاتفاقية في مادتها الثالثة أي طرف يدخل في تفاوض مع طرف آخر لترسيم الحدود البحرية في إحداثيات أي نقطة من 1 أو 6، الرجوع إلى الطرف الآخر.

ـ اتفاقية ترسيم الحدود البحرية القبرصية الإسرائيلية، حيث قامت الحكومتان الإسرائيلية والقبرصية في 17 أكتوبر 2010 بالتوقيع على اتفاقية تحديد الحدود البحرية بينهما، لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بكل منهما، والتي تم تحديدها أيضا وفقاً لقاعدة خط المنتصف، والذي يقع على مسافة 150 كم شمال غرب حيفا.

وحالياً هناك وساطة أمريكية لحل النزاع الحدودي البحري بين لبنان وإسرائيل وهذا المشروع مطروح على الطاولة حالياً ريثما يتم الاتفاق والمصادقة عليه، ومشروع روسي يحلق بالأفق لترسيم الحدود البحرية بين سورية ولبنان أيضاً.

والوضع القائم للاتفاقيات يوجب في نصه بإعادة النظر في حال تم إبرام اتفاقيات جديدة لترسيم الحدود البحرية.

  1. النزاعات على كمية الإنتاج:

إن ترسيم الحدود لن يكون كافياً لوضع حد للصراع حول اكتشاف الغاز واستخراجه من أعماق البحر الأبيض المتوسط، حيث تقع خزانات الغاز في أعماق متفاوتة بحسب طبيعة وتضاريس القشرة الأرضية للبحر، وبعض الخزانات تمتد إلى داخل الحدود الدولية. 

ولذلك يتطلب من الدول المعنية في شرقي البحر المتوسط عقد اتفاقيات فيما بينها لتحديد كمية إنتاج الغاز لكل منها، بحيث تكون النسب متساوية وأقرب إلى العدالة باستخراج وتوزيع هذه المادة أو استهلاكها أو تصديرها إلى السوق العالمية، وذلك باعتبار مصدر المادة هو من خزان مشترك ومن حق الجميع الاستفادة منه بالتساوي، ولتنفيذ هذه الاتفاقية وشروطها تقع هنا المسؤولية الكاملة على عاتق الشركات المكلفة باستخراج الغاز من الحقول.

  1. النزاعات السياسية:

وتنقسم النزاعات السياسية إلى قسمين:

آ ـ النزاعات الداخلية.

ب ـ النزاعات الخارجية.

 

آـ النزاعات الداخلية:

تؤثر النزاعات السياسية الداخلية وعدم الاستقرار على استثمار حقول الغاز من قاع البحر المتوسط فالوضع السياسي لدول شرقي البحر المتوسط لا يبشر بالخير، فالأزمة والحرب الإرهابية على سورية مازالت قائمة، ريثما يعود الأمن والأمان إلى البلد.

وفي لبنان مازالت الخلافات السياسية تدور ضمن حلقة جوفاء، وهناك ارتباك حكومي في حل الكثير من القضايا والمشاكل الداخلية العالقة، ولبنان يحتاج إلى وقت طويل ليتعافى من أمراض الطائفية والمذهبية وغير ذلك من أمور داخلية، برغم أن هناك إجماع حكومي وشعبي من الأكثرية على استثمار حقول الغاز، وتحسين الوضع الاقتصادي وسد الديون الخارجية المتراكمة على البلد.

وتعتبر جمهورية مصر العربية رغم حربها ضد الإرهاب أكثر تماسكاً في جبهتها الداخلية ولديها القدرات الاقتصادية والبشرية والعسكرية لحماية آبارها في البحر المتوسط، واستخراج الغاز وتطوير اقتصادها في هذا المجال.

وحال الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة مستقر رغم المناوشات بينه وبين المقاومة الإسلامية ولبنان وسورية وحربه المعلنة على إيران، ولكن استطاع أن يخطو خطوات قوية في هذا المجال بسبب استقراره الداخلي، ولديه القدرة الاقتصادية والعلمية لاستخراج مادة الغاز، وعقد صفقات مع الدول لبيع هذه المادة ومنها استراليا، بعد أن كان يستورد الغاز من مصر إبان حكم الرئيس محمد حسني مبارك، وحالياً أصبحت العملية عكسية حيث يصدر الغاز الإسرائيلي لمصر في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وذلك بموجب اتفاقية بين البلدين تم إبرامها في شهر شباط عام 2018م، بالقاهرة بقيمة /15/ مليار دولار أمريكي.

ب ـ النزاعات الخارجية:

تشكل النزاعات السياسية الخارجية في دول شرقي المتوسط معضلة كبيرة لدى جميع الدول، فعلاقة تركيا بسورية، كعلاقة سورية بالعدو الصهيوني، عدائية وعلانية وحالة حرب، وعلاقة لبنان مع سورية تعتبر جيدة إلى حد ما، ولكن علاقة لبنان مع الكيان الصهيوني في حالة حرب أيضاً، وعلاقة مصر وتركيا سيئة للغاية بسبب دعم تركيا سياسياً لحزب الإخوان المسلمين، وعدم اعترافها بالنظام العسكري الجديد الذي يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين برئاسة الرئيس الراحل محمد مرسي والتدخل في شؤون مصر الداخلية، وتتجاوز أنقرة حدودها البحرية وتتعدى على حقوق مصر البحرية، في البحث والتنقيب واستخراج الغاز، وعلاقة اليونان مع تركيا ليست على ما يرام ومعروف العداء تاريخي بما يخص القضية القبرصية وبحر إيجه، ووضع جزيرة قبرص بين فكي اليونان وتركيا، واعتراف الأخيرة بشمال قبرص ينذر بخلل استراتيجي بين البلدين أيضاً.

وفي هذا السياق ستؤدي هذه النزاعات والتغيرات الجيوسياسية إلى ظهور تحالفات إقليمية مدعومة دولياً ضد بعضها البعض، وهذا ما سيؤدي إلى خلل في أمن واستقرار المنطقة مما قد يدفع باتجاه صراعات وحروب في المستقبل القريب. 

وتسعى تركيا إلى الهيمنة على الغاز في شرقي المتوسط بسبب عدم وجود المادة ضمن حدودها البحرية، مع العلم بأنها مستمرة بالبحث والتنقيب حتى يومنا هذا، لذلك تلجئ إلى تعطيل الاتفاقيات المبرمة حول استخراج الغاز بين دول حوض شرقي المتوسط، وتقوم بتحرشات عسكرية على قبرص واليونان ومصر، في محاولة لها للضغط على دول المنطقة والاستفادة من الطاقة الموجودة في البحر المتوسط، وتعتبر تركيا بأن الاحتياطات من الغاز في البحر المتوسط يجب أن توزع مقدراتها الإنتاجية والمادية على جميع الدول شرقي المتوسط بما يعود بالفائدة المادية لها، وهذا نوع من الابتزاز المبطن.

يتبع .....