يُمثّل الهيكل "هيكل سليمان" ذروة الحالة الدينية لليهود الإسرائيليين، وحلمهم الأبدي لبناء مملكتهم في الأرض المقدسة، وحكم البشر على الأرض، لم تعد أحلام بعضهم، بل مشروع يعملون عليه ليل نهار، واليوم يعتبرون أن هذا الحلم قاب قوسين أو أدنى.

وبناء الهيكل لن يكون إلا بإزالة المسجد الأقصى، وبناء المملكة لن يكون إلا بإلغاء الوجود غير اليهودي في الأرض المقدسة، وها هو قانون يهودية الدولة والمستوطنات، والحفريات تحت المسجد الأقصى، ولم يبقَ إلا خطوات قليلة تفصلهم عن الحلم.

أجدادهم الذين زرعوا بذرة الحلم، لم يكن بوسعهم تخيّل المخطط لبناء الهيكل كأمر واقعي، فالهيكل كان بالنسبة لهم اشتياقاً أبدياً حتى نهاية العالم، لكنهم بنوا اللبنة الأولى واغتصبوا فلسطين ليبنوا إسرائيل الأولى، التي استمرت منذ 1948 وحتى 1977، لكن قواهم خارت بعد 29 عاماً، وفي عام 1977 أطيح بالمؤسسين من سدة الحكم، وحلّت بدلاً عنهم إسرائيل الثانية، التي بنت مجتمع ودولة المتدينين المتشددين، والقوميين، ويبدو أنها أيضاً قد خارت قواها، لتصعد وتتشكل إسرائيل الثالثة، الفكرة المنظمة للأولى كانت الدولة، الثانية الأرض، والفكرة الثالثة – الايمانية التي تسيطر على الجميع – الهيكل.. تُنفخ فيه روح الحياة، ويتحوّل الى خطة عمل سياسية.

إنه فكرة منظمة كبيرة وموحية جداً، تغيّر بشكل طبيعي وبكل بساطة المضمون القديم المرهق، إحياء اللغة العبرية، إنقاذ الأرض وابن البشر، الرسميات، مجمع الشتات، يهودية الدولة، واليوم يتحدثون عن الهيكل، وما هي إلا مسألة وقت ليس إلا.

من الغرب قد يبدو الأمر خيالياً وبعيداً، ولكن في القدس والمناطق الفلسطينية المحتلة إنها خطة سياسية جاهزة للتطبيق، معاهد، ورشات، صعود للهيكل، وشخصيات حوّلت هذا الصبو الأوليّ لسياسة عملية.المزيد...

في كل المؤسسات الإسرائيلية هناك أكثرية من الأوفياء للهيكل، فالطبقة العلمانية القديمة، الجابوتينسكية (نسبة الى جابوتينسكي – من مؤسسي حزب الليكود كحزب علماني ليبرالي)، التابعة للحزب الحاكم، لم تعد قائمة هناك للتغطية على الواقع الداخلي، المريدوريين والبيغينيين (نسبة الى دان مريدور وبيني بيغن اللذين يعتبران علمانيين وليبراليين من قادة حزب الليكود سابقاً) لم يبق منهم إلا قناع، طالما كانت مكانة الهيكل ومسألة إقامته حلم الحاخاميين والسياسيين الجدد.

سبب شعبية فكرة الهيكل المتزايدة في إسرائيل، منوعة، أولاً، تسونامي التشدد الديني اليهودي، بعدها جاءت الأموال الكثيرة التي حُوّلت لمؤسسات ومدارس دينية، طوّرت ونمّت الفكرة عشرات السنين، والأيديولوجيات الموجودة دوماً، لم يتنازلوا يوماً عن الهدف وها قد حانت الساعة.

يترافق كل هذا بمشروع صهيوني عالمي يُمثّل نهاية العالم، عبر صدام الحضارات الكبير، وعبر صناعة التشدد الديني المسيحي، والتشدد الديني الإسلامي، لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية، الذي لم يأتِ إلا لهدف السماح بترميم وبناء مملكة الله اليهودية.

كُشفت حتى الآن عدة جهود يهودية لتفجير المساجد، وضمنها المسجد الأقصى، ورغم كل الكلام الكاذب عن عدم وجود هذه المشاريع، إلا أننا ووفق تنبؤات الحاخاميين سنستيقظ يوماً لنشاهد أن المسجد الأقصى قد انهار تماماً وخرج الهيكل.

فالمجتمع الإسرائيلي اليوم يمر بأكثر لحظة من التشدد الديني الذي يسمح بهذه العملية، وإذا ما نظرنا عليه من الداخل لنعرف ماذا يحصل سنجد أن مجتمعهم ينقسم إلى أكثرية تدعم الهيكل، ولها قيادة بخطط سياسية واستراتيجية محددة للوصول إلى الهدف، وأقلية تمثّل بعض الإسرائيليين العلمانيين من دون قيادة أو فاعلية، ولهذا لا يستطيع أحد ابعاد المستفزين الإسرائيليين من باحات المسجد الأقصى، ولا إسقاط مضرمي النيران الأمونيين من السلطة، بل بالعكس يحصلون على الدعم والتأييد من الأغلبية، بالمقابل يُبنى خلف حدود مملكتهم كتائب التشدد الإسلامي، من قاطعي الرؤوس والمحاكم الشرعية، لإنشاء مجتمع إسلامي متطرف يقابل تطرفهم، يبرر وجودهم، ويساهم بإخراج هيكلهم.

فهل من الصعب الفهم أن اليهودي اليميني اليوم يبني الهيكل، وقريباً سيفجّر المساجد، وأن بنيامين نتنياهو حامي الأمن ومن يمثّلهم، سيكونون مسؤولين عن حرب العالم الثالثة، حرب الديانات، إذا فهمنا ذلك، سنفهم أن "إسرائيل الحالية هي الهيكل، هي داعش اليهودية".

مسلّحوا الكتائب الإسلامية وشيوخ المحاكم الشرعية، يطلبون العودة بنا إلى الوراء مئات السنين، إلى القرن السابع والخلافة الأسطورية، اليهود الإسرائيليون يبحثون عن العودة أكثر إلى الوراء، إلى عام 70 ميلادي، البديل الوحيد الذي قد يتمكن منهم هو العودة الى الزمن الحاضر، إلى القرن الحادي والعشرين، ومحاربتهم بكل قوة، وإعادة تشكيل أكثرية تبحث عن الحياة، وعن الله الذي يحب الحياة...